مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

الأمن القومي العربي

 

يمثل التصعيد الإقليمي مع إيران، حتى الآن، ذروة تداعيات عملية السابع من أكتوبر 2023 في قطاع غزة، فنحن أمام نقطة تحول جوهرية في تآكل ما تبقى من مفهوم “الأمن القومي العربي” بصورته الكلاسيكية، وتحويله من إطار تكاملي إلى حالة من التشتت الاستراتيجي.
وقبل أن تهدأ الحرب الجارية وتصمت المدافع، نحتاج إلى إعادة صياغة كاملة لهذا المفهوم نتيجة ما لحقه من أضرار غير مسبوقة.
فقد تصدّع مفهوم “الحياد الآمن”، وأثبتت الحرب أن سياسة النأي بالنفس لم تكن كافية لحماية المنطقة. فالدول التي بذلت جهودًا جبارة للوساطة حتى ساعات قبل الحرب وجدت نفسها عرضة لضربات انتقامية إيرانية استهدفت منشآتها الحيوية.
كما سقطت “قواعد الاشتباك”، وأنهت حقبة استقرار الممرات المائية والمجالات الجوية، مما جعل الأمن الخليجي في حالة “انكشاف استراتيجي” غير مسبوق.
كذلك يواجه الأمن الاقتصادي تحديات وجودية، حيث تضررت سلاسل التوريد بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي يمد العالم بحوالي ثلث احتياجاته من الطاقة، مما نتج عنه خسائر للاقتصاد العالمي والخليجي تُقدّر بحوالي 20 مليار دولار يوميًا تبعًا لوكالة “بلومبرغ”. وقد أثبت ذلك أن خطوط الأنابيب البديلة (مثل خط شرق-غرب السعودي) ضرورة قصوى وليست خيارًا.
وتراجعت الثقة بالضمانات الأمنية الخارجية، وأثار عجز واشنطن عن منع استهداف البنية التحتية الخليجية تساؤلات حول جدوى القواعد العسكرية الأجنبية، التي تحولت من “رادع” إلى “هدف”.
وتم ترسيخ مبدأ إسقاط الأنظمة واغتيال القيادات، الذي بدأته إسرائيل سابقًا، وتوسعت فيه باغتيالها لرموز الحكم الديني والسياسي في طهران بدعم أمريكي، وخلقت بذلك نموذجًا غير مسبوق لعقاب بلا سقف لكل من يحاول تجاوزها.
أما “السيادة المخترقة”، فهي أحد أخطر التحديات التي خلفها هذا الصراع، والشاهد على ذلك ما حدث في لبنان وإيران من خلال أدوات السيطرة والمراقبة وكشف أدق التفاصيل عبر التجسس والتنصت التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والمسيرات. وهو ما يضفي منظورًا جديدًا لـ”الأمن القومي العربي” يتجاوز القدرة المالية على امتلاك أحدث المنظومات الجوية والبحرية والبرية بتريليونات الدولارات، حيث أصبح المجال الجوي والبري العربي مستباحًا للعمليات العسكرية والاستخباراتية الخارجية.
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد نشأ نوع من التنسيق الميداني غير المسبوق بين بعض دول المنطقة والولايات المتحدة ودول إقليمية لمواجهة الصواريخ والمسيرات المعادية، ورغم أنه يظل “تحالفًا قلقًا” يفتقر إلى انسجام سياسي طويل الأمد، إلا أنه خلق تحديًا لم يكن مطروحًا من قبل، يتمثل في إعادة تعريف مصطلح “العدو”، وهي حالة أشبه بما تعرضت له استراتيجيات الدفاع الغربية والأمريكية في اللحظة التي سقط فيها سور برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي.
يرى البعض أن حل مشكلة الأمن القومي يكمن في استنساخ نموذج حلف “الناتو” عبر إنشاء “ناتو” عربي، وهو تبسيط مخل يتناقض مع عمق الأزمة التي تعيشها المنظومة العربية.
وتقول القاعدة الاستراتيجية: “إن الأحلاف العسكرية لا تصنع هوية أمنية، بل الهوية المشتركة هي التي تحمي الأحلاف”. وكان “الناتو” نتاج مرحلة من التفاهم حول معايير الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي في أوروبا بعد حربين عالميتين.
أما الحقيقة التاريخية فتؤكد أن الحلف الأوروبي لم ينجح لأنه امتلك سلاحًا، بل لأنه امتلك قناعة بأن الحرب القادمة تعني الفناء الشامل لجميع الأطراف في حال استخدام الرادع النووي، فضلًا عن عدد من الفوارق والمحددات التي يجب وضعها في الاعتبار.
أولًا: أن أوروبا كان لديها عدو واحد واضح (الاتحاد السوفيتي)، وذلك خلافًا لما نشهده في منطقتنا، حيث يختلف تعريف “العدو” أو “الخطر” جذريًا بين عاصمة عربية وأخرى بناءً على الجغرافيا أو المصالح الاقتصادية.
ثانيًا: “التبعية التكنولوجية”، إذ أن الاعتماد على منظومات غربية أو أمريكية أو حتى هجينة لا يخلق “أمنًا قوميًّا”، بل “ارتباطًا أمنيًا”. وحتى خيار توطين التكنولوجيا لن يغير من هذه المعادلة، بل سيكرسها.
ثالثًا: التفاوت الاقتصادي والاجتماعي؛ فالاختلاف الكبير في مستويات المعيشة والأنظمة السياسية بين الدول العربية يجعل من الصعب إيجاد “عقيدة أمنية” موحدة، لأن ما تخشى فقدانه دولة غنية يختلف عما تسعى لتأمينه دولة تعاني أزمات اقتصادية. وهذا التباين يضيف طبقة أخرى من التعقيد أمام أي محاولة لبناء تصور موحد للأمن الإقليمي.
رابعًا: “التشابك الاقتصادي”: فعندما يصبح الاستقرار الاقتصادي لدى جميع دول المنظومة هدفًا مشتركًا وليس مجالًا للتنافس أو التدخل، حينها فقط يتولد الدفاع المشترك تلقائيًا.
خامسًا: “تجاوز الأيديولوجيا”، والاعتراف بأن الخلافات الثقافية والسياسية موجودة وستبقى، وبناء “أمن براغماتي” يتعامل مع الواقع كما هو لا كما نتمناه.
ما سبق يؤكد أن أمن “البقاء” يسبق أمن “السلاح”. هذا هو المفهوم الأساسي. وتكشف أحدث البيانات المتاحة من موقع “جلوبال فاير باور” للعام الجاري أن حجم الإنفاق العسكري السنوي للدول العربية يتجاوز 117 مليار دولار، ومع ذلك لم تمنع هذه القدرات التجاوزات والخروقات، ما يعني أن موازين القوة لا ترتبط ارتباطًا شرطيًا بحجم الإنفاق العسكري، بقدر ارتباطها بحزمة أكثر شمولية تشمل العقيدة العسكرية والعمق الاستراتيجي والبعد البشري ولوجستيات الصراع، التي يعد السلاح مجرد جزء منها.
وإذا لم يتم إعادة طرح مفهوم جديد للأمن العربي يعتمد على التعاون في ملفات المياه والطاقة والغذاء لإيجاد “رؤية البقاء”، فعلينا الإقرار بأن الكتلة العربية المتبقية ستصبح مجرد جزء من منظومة أوسع، وهي الأمن الإقليمي، تشمل كيانات لا تعترف سوى بلغة القوة والمصالح.
الخلاصة: إن السلاح منفردًا لا يوفر الأمن أو الاستقرار للدول، والأمن العربي اليوم يمر بمرحلة “الترميم تحت النار”، والمنطقة بحاجة إلى صياغة عقد أمني جديد يوازن بين القوة العسكرية الذاتية والمرونة السياسية تجاه القوى الإقليمية المنهكة أو المتحولة بعد الحرب… والسؤال: أيهما أولى في اللحظة الراهنة: ملء الفراغ، أم إعادة تعريف مفهوم “الأمن العربي” ومحدداته المستجدة في ظل تحديات وأدوات تكنولوجية لا تمتلك مفاتيحها؟